كتاب : رسالة في العلم الموسيقي    صفحه :

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .
و بعد فيقول العبد الاثيم كريم بن ابرهيم ان هذه كلمات قليلة كتبتها في العلم الموسيقي من باب ان في كل علم بل في كل شئ آية من آيات الله سبحانه و هو لسان من الله سبحانه مترجم لبيان ما اراده من عبده من ذلك الوجه الخاص و قد ذم الله سبحانه قوما يمرون علي الآيات معرضين عنها و عما اراد الله منها و بين بها فقال و كم من آية في السماوات و الارض يمرون عليها و هم عنها معرضون فاردت ان اكتب في هذا العلم وريقات علي سبيل الاختصار ليكون تذكرة للمتذكر و عبرة للمعتبر و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم فهي مشتملة علي مقدمة و اربعة ابواب .
المقدمة اعلم ان الموسيقي عبارة عن معرفة الالحان و ما به التيامها و تكمل به و فائدته احداث الطرب في النفوس و تغيير الحالات علي حسب ما يريده العالم به المستعمل له من المستمعين و الموسيقار هو الذي يغني بنفسه او بآلة و موضوعه الالحان و ما تكمل به و تتألف و هو علي قسمين نظري و عملي اما النظري فهو عبارة عن معرفة 
 موضوع هذا العلم و ما يحمل عليه من المسائل بعد معرفة مباديه و مباديه بعض من العلم الطبيعي و بعض من علم الاعداد و بعض من الهندسة و بعض من العروض و اما العملي منه فهو علي قسمين صناعة اداء الالحان و صناعة تأليفها .
الباب الاول في معرفة الصوت و ما يلحق به و فيه اربعة فصول :
الفصل الاول في الصوت و كيفية حدوثه اعلم انهم قالوا ان الصوت كيفية تسمع لذاتها و في هذا التعريف من الابهام ما لايخفي لجعلهم الجنس مبهما لايفيد المستفيد شيئا زايدا علي ما كان يعلم و كذلك وصفهم اياه بالعرض الخاص فانه غير كاشف عن حقيقته و الحد التام ما يكشف عن مادة الشئ و صورته الذاتية حتي يعرف الشئ لذاته فالتعريف الكاشف عنه انه شبح منفصل من حركة المصوت و اثر لفعله المتعلق به يظهر في الجسم علي حسب استعداده فمادته ذلك الشبح و صورته من ذلك الجسم كالشبح المنفصل من النير الظاهر في المرآة فمادته من النير و صورته من الهواء و ان كان للمادة ايضا صورة نوعية علي حسب النير فان الشبح تابع لذي الشبح لامحة و كذلك الصوت و ان كان لمادته ايضا اختلاف بحسب اختلاف حركة المصوت و اختلاف نفسه و لكنه اختلاف نوعي له و الصوت المطلق لا ظهور له في عالم الانواع الا بالانواع و شخصية هذه الانواع تظهر في الجسم فاذا صوت مصوت
 يتحرك الجسم بسبب حركة المصوت بدفع و سرعة دفعية فيحمل ذلك الصوت و يؤديه الي الجسم السيال و بسبب تلك الحركة يدفع بعض اجزائه بعضا فيتموج كتموج الماء المحسوس و ذلك الصوت منطبع في تلك الامواج اين ما بلغت و يؤيد هذا الحد قول الصادق عليه السلام الصوت اثر يؤثره اصطكاك الاجسام في الهواء و الهواء يؤديه الي المسامع الخبر ، و لما كان ذلك الصوت شبح حركة المصوت الظاهر في مرآة الجسم السيال كما بينا و حركة الجسم السيال تابع لحركة ذلك المصوت فيكون الصوت و التموج متناسبين مقترنين دائما فيكون قويا عند قوة الموج و ضعيفا عند ضعفه كالحرارة الحادثة في الهواء من السراج و النور الذي هو شبحه فكل ما هو قرب الي السراج يكون اشد نورا و حرارة و كلما بعد يكون اضعف نورا و حرارة كذلك كلما قرب من المصوت يكون اعظم صوتا و تموجا و كلما بعد يكون اضعف صوتا و تموجا الي ان ينقطع الصوت و التموج معا فلايحس بهما و المصوت هو الجسم المتحرك الفاعل و التصويت فعله و الصوت هو الشبح المنفصل من فعله كما بينا و هذا الشبح لايظهر بنفسه كما ان شبح وجهك لايظهر في نفسه فيحتاج الي مرآة و مرآة كل شبح يكون من جنسه فمرآة الصوت هو الجسم المنفعل سواء كان رقيقا ام غليظا رخوا ام صلبا سيالا ام جامدا و لذلك يضاف الصوت ابدا الي المحرك شرعا و عرفا و اما ما يضاف من الاصوات الي الآلات فلاجل انها آلة
 و يجوز نسبة الاثر الي الآلة كقوله تعالي فويل لهم مما كتبت ايديهم و كذلك يجوز نسبة الفعل الي الشخص و الي آلته اما اذا نسب الي الشخص فظاهر و اما اذا نسب الي الآلة فلان الفعل يظهر و هو الفاعل بالشخص لا بنفسه فافهم و ما اشتبه علي اهل الفن ان الصوت من الزاحم او منه و من المزحوم لجهالتهم بالحكمة و لا صوت الا من الفاعل و انما يظهر في المنفعل في الدعاء لا صوت فيها الا صوتك فافهم و اذا كانت الحركة من الجانبين كان كل واحد منهما فاعلا من جهة منفعلا من جهة و حركة المصوت علي ثلثة اقسام قرعية و قلعية و ضغطية و النقر من القرع و الصوت المستعمل في هذا الفن القرعي فالقارع و المقروع يختلف احوالهما فان من الاجسام ما لو زاحمه جسم آخر يندفع الي تحت من غير مقاومة و مدافعة كالصوف و القطن المحلوجين او ينحرف حتي يتحرك الزاحم بطبعه كالهواء و الماء او يتنحي الي نحو حركة الزاحم و يشايعه و يظهر الصوت في المزحوم اذا دافع الزاحم عن حركته و لو قليلا و ما يشاهد من الحركة في المنحرف اذا ضرب بعود او سوط فانما هو يظهر فيه الصوت اذا كان الضرب دفعيا بحيث يكون سرعة الضرب اسرع من انحراف المزحوم فاذا صار حركة الزاحم اسرع يقاومه المزحوم لتراكمه بخلاف ما اذا انزل يده علي بطئ بحيث ينحرف المزحوم علي تدرج فانه لايظهر صوت فما لم‌يقاوم المزحوم الزاحم لم‌يظهر صوت البتة فاذا وقع حجر علي حجر فمادة الصوت