كتاب : رسالة في جواب السيد ابي‌الحسن الجيلاني في العلم    صفحه :


رسالة في العلم في جواب السيد ابي‌الحسن الجيلاني
من مصنفات الشيخ الاجل الاوحد المرحوم
الشيخ احمد بن زين‌الدين الاحسائي اعلي اللّه مقامه

 بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّح۪يمِ و به نستعين
الحمد للّه رب العالمين و صلي اللّه علي محمّد و اله الطّاهرين .
امّا بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زين‌الدّين انه قد سأل سيّدنا الاكرم عن مسئلة عويصة في العلم و جوابها و كشف سرّها من مخزون العلم الذي كتمه اهل العصمة عن غيرهم لانه من غامض العلم الذي لايزيد البيان الّا غموضاً و هو السّر المعمّي المنمنم لتوقف معرفته علي تعقّل الدّهر و افراده من الزّمان و افراد السّرمد منهما ثمّ انه اجاب نفسه و كتب لي جوابه و كان فيه شي‌ء غير مطابق و كلّه تحت الجواب بمراحل طويلة لان هذا الجواب الّذي كتب لايكشف سرّ السّؤال لاختلاف المراتب فاحببت ان اكتبه و اجعله بمنزلة المتن و يكون عن مسئلته الاصليّة كالشّرح و لكن يجب ان اقدّم امام ذلك وصية و هي اوصيك ايها النّاظر الّاتقف علي الالفاظ و العبارات فان كنت تعرف الفرق بين القلب و الفؤاد و الفرق بين نظرهما و استعملت في كلامي نظر الفؤاد فزتَ ببلوغ المراد و الّا فاقطع الخطاب و لاتطلب الرِّيّ من السّراب فان كنت عطشانا لهذا المورد فقد ضرب دونه الف حجاب و اللّه سبحانه الموفّق للصّواب .
اصل السّؤال معناه اذا كان كلّ شي‌ء فقد كتب في اللّوح قبل خلق الخلق و منه ايمان المؤمن و كفر الكافر فكيف يجوز ان يأمر النّبي (ص‌) بالايمان
 من يعلم انّه لايؤمن و انّه قد كتب انّه كافر في اللّوح المحفوظ الّذي ليس فيه محو و لا اثبات و لا تغيير و لا تبديل ثم كتب سلمه اللّه تعالي لعلّ سبب تكليف النّبي (ص‌) الكفّار بالايمان مع انّه يعلم انّه لايؤمن انّ للشخص وجودين تكويني و تشريعيّ و لا بدّ ان يظهر كلاهما في الزّمان و في عالم الملك و الشهادة كما في قوله تعالي و ان منكم الّا واردها و ظهور وجود التّكويني لايحتاج الي النّبي (ص‌) اي تكليفه و الّا لماخلق .
اقول ان قوله و لا بدّ ان يظهر كلاهما في الزّمان اراد بانّ الوجودين لا بدّ ان يكونا في الزّمان و هذا حقّ و لكن التّشريعي الظّاهري و امّا التشريعي الاول و التّكويني الاوّل يجب ان لايوجدا في الزّمان لما بينهما من التّنافي و نشير اليه ان شاء اللّه فيما يأتي و قوله و ظهور الوجود التّكويني لايحتاج الي النّبي (ص‌) اي تكليفه يعني به ان الوجود التكويني و ان احتاج الي النّبي (ص‌) في الظّهور من جهة العلّية لكن من جهة التّكليف لايحتاج اليه و هو في الظّاهر تام لكن في الحقيقة غير تامّ لان الايجاد التكويني تكليف باطن و ايجاد ظاهر و التشريعي ايجاد باطن و تكليف ظاهر فان اريد ان التكويني لايحتاج الي النّبي (ص‌) و تكليفه بالايجاد و الانوجاد علي ما تعرفه العوام فحسن و ان اريد الحقيقة فايّ حاجة اشد منه الي تكليفه له و اللّه سبحانه يقول انّما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون ، و قوله ايده اللّه و الّا لماخلق ، فيه ما سبق من وجهين الاوّل ما ذكرنا من ان الايجاد تشريع و التشريع ايجاد و الثاني ان اللّه يقول في حق المضلّين و الجاحدين مااشهدتهم خلق السّموات و الارض و لا خلق انفسهم تعريضاً بان الهادين الشّاهدين اشهدهم خلق السموات و الارض و اشهدهم خلق انفسهم فالنّبي (ص‌) امامهم و قد اشهده اللّه خلق نفسه بكلا المعنيين و لايلزم الدّور لان الاحكام التّضايفيّة لايلزم فيها الدّور مع انّ كلّ واحد متوقف علي
 وجود الٰاخر كالابوّة و البنوّة لان الممنوع من الدّور ما تقدم احدهما علي الٰاخر و امّا ما ساوق احدهما الٰاخر فلا شكّ في الصحّة .
قال ايده اللّه تعالي : و امّا ظهور وجود التشريعي فيحتاج الي تكليف النبي (ص‌) بل هو من اسباب وجوده كما سئل الامام (ع‌) هل يردّ الدّواء من القدر شيئاً قال (ع‌) ذلك من القدر .
اقول هذا لا اشكال فيه بقي فيه بيان انّ الدّواء من القدر فاعلم ان القدر يجري في الافعال كالحكم الوضعي عند اهل الاصول لانّه سبحانه اذا كان يفعل بالاسباب وجب في الحكمة انّه اذا وجد مقتض او مانع ان يخلق ما يقتضيانه عندهما و الّا كان قاسراً و تعالي في عزّ جلاله عن ذلك لو اراد خلاف ذلك سبّب لما اراد سبباً يوجده ارجح من ذلك او من ذاته المقدّسة لانه سبب من لا سبب له و سبب كلّ ذي سبب و مسبّب الاسباب من غير سبب فاذا وجد سبب او مانع اقوي من الاوّل عمل بمقتضي الاقوي تحقيقاً للاختيار و نفياً للاضطرار لئلاتكون للناس علي اللّه حجة و ايجاده عند السّبب الاول قدر منه و ايجاد خلاف ذلك عند وجوب سبب اقوي قدر منه فمن هنا قال (ع‌) ذاك من القدر .
قال سلمه اللّه تعالي : و كذلك التّكليف سبب ظهور ايمان المؤمن و كفر الكافر فان النبي (ص‌) اذا دعاهم الي الايمان فان اجاب صار مؤمناً و ان لم‌يجب يصير كافراً فبالطّاعة يصير المؤمن مؤمناً و بعدمها يصير الكافر كافراً و الّا قبل التكليف و الطاعة لم‌يحكم بايمانه و لا بكفره فالمؤمن مؤمن حين التّكليف و الكافر كافر حين التّكليف .
اعلم ان التّكليف سبب ظهور ايمان المؤمن من جهة الوجود و سببه الٰاخر قبول الدّعوة فكلّ مكوّن لايكون في اقلّ من علّتين امر اللّه فاجاب و دعا