كتاب : رسالة في جواب بعض الاخوان عن مسألتين     صفحه :


رسالة في جواب بعض الاخوان
من مصنفات الشيخ الاجل الاوحد المرحوم
الشيخ احمد بن زين‌الدين الاحسائي اعلي اللّه مقامه

 بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّح۪يمِ
الحمدُ لِلّهِ ربّ العالَم۪ينَ و صلّي اللّه علي محمد و آله الطاهرين .
اما بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زين‌الدين الاحساۤئي قد سألني بعض الاخوان الذين تجب عليّ طاعتهم بمساۤئل منها مسئلتان فكتبت جوابهما علي جهة الاستعجال المقرون بالملال و تشويش البال و الاشتغال بافكار الحل و الارتحال و الحمد للّه علي كل حال .
قال سلمه اللّه تعالي : ما يقول شيخنا و مقتدانا في مسئلة اهل النار هل يكون تعذيبهم دائماً ام يؤل امرهم الي النعيم فان كثيراً من العلماۤء العارفين المحققين قائلون بذلك .
اعلم ان من قال بذلك اعني قولهم ان اهل النار مألهم الي النعيم حتي انهم يتنعمون بالتعذيب بل ( لو ظ ) ادخلوا الجنّة تألّموا منها فتكونون كالجمرة في النار انما تبقي و تصلح بالنار لانها تلائمها و تقوّيها و تزيدها مدداً من جنسها فهي تتلذّذ باللهب و تنطفي بالماۤء و تتألم منه لان كل شي‌ء يتنعم في جنسه و نوعه و يتألم في ضدّه و لهذا قال اللّه تعالي حكاية عن سليمن (ع‌) في حقّ الهدهد لاعذّبنّه عذاباً شديداً فقال فيه بعض المفسرين اراد انه يضعه مع غير ابناۤء جنسه و قالوا ايضاً في الدليل علي ذلك ان اللّه سبحانه تمدح بالعفو
 و المغفرة و لم‌يتمدّح بالتعذيب فمن تتبّع الٰايات الشريفة و الاخبار الصحيحة رءاها جارية علي هذا المنوال و قالوا ايضاً ان الٰايات التي تدل علي دخولهم في النار و تعذيبهم بحيث يتألمون بالتعذيب انما تدل علي الزمان الطويل لا علي التأبيد و ما هو يوهم التأبيد فمحمول علي الخلود لا علي التألم و ذلك مسلّم لايشك احد فيه و ما اشبه ذلك فمن قال بذلك فقد اخطأ الصواب و خالف نصّ الروايات و الكتاب و الاصل في هذا و مثله ان هذا المذهب في هذه المسئلة و في انّ المعلوم يعطي العالم بحيث يجعله عالماً و في انّ وحدة المشية تنافي الاختيار بمعني ان ليس للّه في مشيته ان شاۤء فعل و ان ترك لانّه لايشاۤء الّا ما علم و ليس في علمه الّا حال واحد فليس له ان يشاۤء تركه لئلّاينقلب علمه جهلاً و في انك انت اللّه بلا انت و لهذا يقول شاعرهم :
و ما الناس في التمثال الّا كثلجةٍ       ** * **      و انت لها الماۤء الذي هو نابع
و لكن بذَوبِ الثلج يرفع حكمه       ** * **      و يوضع حكم الماۤءِ و الامرُ واقع
و امثال ذلك من الاراۤء الباطلة التي لاتجري علي طريقة عقل و لا نقل و قالوا ان علمنا هذا و هو التصوّف شرطه ان يكون علي مذهب السنة و الجماعة كما صرح به عبدالكريم الجيلاني في كتابه الانسان الكامل و العلة في ذلك ان اللّه سبحانه خلق الخلق في الكون علي هيكل التوحيد و هو قوله تعالي فطرة اللّه التي فطر الناس عليها و خلقهم في العين و هو الخلق الثاني بحكم الوضع لانه امرهم فمن اطاعه خلق طينته من الطاعة اي من عليّين و هي الانسانية التي هي صورة الربوبية اي الصورة التي اختارها و اصطفاها فلاتفعل بمقتضاها الّا محبته فتنطبق علي هيكل التوحيد لانّها صورته و من عصاه خلقه من المعصية اي من سجّين و هي طينة المسخ و الشياطين و هو قوله تعالي لا تبديل لخلق اللّه و قوله تعالي فليغيرنّ خلق اللّه
 فلاتفعل بمقتضاها الّا ما يكره ذلك بانهم اتبعوا ما اسخط اللّه و كرهوا رضوانه فاحبط اعمالهم فخلقهم كما سألُوه بعصيانهم و هذه الرتبة لهم و للمطيعين هي الطينة و فيها خلقوا هكذا و هو الخلق الثاني و هؤلاۤء سلكوا في علومهم طريق الضلالة و لهذا اشترطوا ان يكون علي هذا المذهب الخاص الذي هو الباطل قال تعالي الذين كفروا و صدّوا عن سبيل اللّه اضل اعمالهم الي ان قال تعالي ذلك بان الذين كفروا اتبعوا الباطل و ان الذين آمنوا اتبعوا الحقّ من ربهم ثم قال كذلك يضرب اللّه للناس امثالهم و هذه الٰايات لاتحتاج الي بيان في ضلالة مَن بني امرَ دِيْنه علي غير مذهب الحق . فان قلتَ ان هؤلاۤء الذين عنيتهم انما دوّنوا ما حصل لهم بالكشف و الكشف انما هو اظهار ما في غيب الحقاۤئق التي هي اعيان الموجودات علي ما هي عليه و هي هياكل التوحيد فلاتكشف العقول المزكّاة الّا عما هو الواقع و لا خلاف بيننا ان الواقع هو التوحيد قلتُ مَن كشف عن حقيقته التي لم‌تبدل و لم‌تغيّر بالعقل المستنير بنور اللّهِ الذي هو اتباع مَن امر اللّه باتباعهم و جعل الحق معهم و فيهم و بهم و لهم و اليهم من غير التفات الي قواعد او مذاهب آباۤء او لزوم عادةٍ او غرضٍ ما بل بمحض ما يدركه العقل من غير التفاتٍ كما قال سبحانه و لايلتفت منكم احد و امضوا حيث تؤمرون فان ذلك لايخطئ الصواب لانه جاهد في اللّه اي من غير التفات الي شي‌ء غير الحق فان الالتفات من الشيطان فيكون محسناً و اللّه معه فهذا هو الذي كشف عن الواقع و لو انه بني علمه علي طريقة او غرض او مذهب لم‌يكن كاشفاً عن حقيقته بل هو يلتفت الي غرضه و ليس هذا الالتفات الّا لتبديل خلقه و تغييره اذ لو لم‌تغيّر الفطرة لم‌يلتفت فاذا بدّلت الفطرة كانت هيئة ثانية غير هيئة التوحيد فاذا كشف عن حقيقةِ ما فيه ظهر له و بدا لهم سيّئات ما عملوا فيظهر له حقيقة التبديل و التغيير و هو خلاف التوحيد