كتاب : الرسالة الخطابية في جواب بعض العارفين    صفحه :


الرسالة الخطابية في جواب بعض العارفين
من مصنفات الشيخ الاجل الاوحد المرحوم
الشيخ احمد بن زين‌الدين الاحسائي اعلي اللّه مقامه

 بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّح۪يمِ
الحمد للّه رب العالمين و صلي اللّه علي محمد و آله الطاهرين .
اما بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زين‌الدين انه قد ارسل اليّ بعضُ الاخوان المخلصين من العلماۤء العارفين الطالبين للحق و اليقين بمسئلتين يطلب جوابهما علي سبيل الاستعجال مع كلال البال و تغيّر الاحوال فكتبتُ ما خطر من الجواب لذلك السؤال اذ لايسقط الميسور بالمعسور و الي اللّه ترجع الامور .
قال سلمه اللّه تعالي : ان المصلّي حين يقول اياك نعبد و اياك نستعين كيف يقصد المخاطِبِ بخطابه و اي معني يعقد قلبه عليه هل يقصد الذات الغير المدركة بصفةٍ من صفاته الجمالية و لا الجلالية ام يقصد شيئاً آخر ، و علي التقديرين ربّما يصلي الرجل و حين التكلم بتلك الكلمتين لايقصد شيئا و هو غافل ذاهل غير شاعر بقصد شي‌ء فهل تصح صلاته ام لا .
اقول اعلم ان اللّه سبحانه لايُدرَك من نحو ذاته بكلّ اعتبار و انما يدرك بما تعرّف به لعبده فكلّ شي‌ء يعرفه بما تعرّف به له فتشير العبارات اليه بما اوجدها عليه و تشير القلوب اليه بما ظهر لها به و لا سبيل اليه الّا بما جعل من السبيل اليه و هو جل شانه يظهر لكل شي‌ءٍ بنفس ذلك الشي‌ء كما انّه يحتجب عنه به و الي ذلك الاشارة بقول علي (ع‌) لاتحيط به الاوهام بل تجلّي لها بها
 و بها امتنع منها و اليها حاكمها و كل مظهرٍ لك به فهو مقام من مقامات ذاته فيك و حرف من حروف ذاتك به فمن وصل الي رتبةٍ قد ظهر سبحانه له فيها تبين له انّ المطلوب وراۤء ذلك و انّ هذا الذي حسبه ايّاه لم‌يجده شيئا و وجد اللّه عنده فوفّاه حسابه و اللّه سريع الحساب و هكذا و اليه الاشارة بقول الحجة (ع‌) في دعاء رجب و مقاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك و بينها الّا انّهم عبادك و خلقُك فهذه المقامات هي التي دعاك اليها فيتوجّه اليها قلبك فيجده عندها كما يتوجّه وجه جسدك الي بيته الكعبة فيجده عندها و تعبَّدَك باَنْ تدعُوَهُ بها و تعبُده فيها بلا كيفٍ و لا وجدان الّا لما اوجدك من ظهوره لك و انّه في كل مقامٍ اقرب اليك من نفسك و ليس ما وجدته ذاتاً بحتاً و لو كان ذاتاً بحْتاً لجاز ان تدرك الذات البحْت و الذات البحت في الازل و انت في الامكان فيكون ما في الامكان بادراكِ الازل في الازل او ما في الازل بكونه مدركاً للممكن في الامكان تعالي اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً و الي ذلك اشار اميرالمؤمنين (ع‌) انّما تحد الادوات انفُسَها و تشير الٰالات الي نظاۤئرها و قول الرضا (ع‌) و اسماۤؤه تعبير و صفاته تفهيم و قول الصّادق (ع‌) كلّما ميّزتموهُ باوهامكم في ادقّ معانيه فهو مثلكم مخلوق مردود عليكم و ذلك لانه سبحانه هو المجهول المطلق و المعبود الحق فاذا قلت ايّاك نعبد كنتَ قد قصدتَ شيئاً مخاطَباً و قيدُ الخطاب دَلّك علي مخاطبٍ و المخاطَبُ لايُدْرَك منه الّا جهة الخطاب كقولك يا قاعد لاتدرك من ذلك المدعو الّا جهة القعود و ان كنت تعني الموصوف بالقعود لانّ الموصوف غيّبَ الصفةَ عند الواصف حتّي انّه عنده اقرب اليه من الصفةِ و اظهر منها له لكن الواصف لايُدْرِك الّا جهة الصفة من الموصوف كما قال الرضا (ع‌) و اسماۤؤهُ تعبير و صفاته تفهيم و بالجملة كلّ شي‌ء لايُدْرِكُ اعلي مِنْ مَبْدئِه و انتَ خلِقْتَ بعدَ اشياۤءَ كثيرةٍ فلاتدرك ما وراۤءَ
 مَبْدئِكَ و مَع هذا تُدْرِك انّكَ مخلوق و تدرِكُ انّ للمخلوق خالقاً و تُدْرِك ان الخالق اوجدَكَ بفعله الّذي وصفتَهُ به و قلتَ خالق و تُدرِك انّ الخلقَ ايجاد و حركة و تُدرِك انّها حدثَتْ من الفاعل و تُدرِكُ ان الفاعل هو المحدِثُ للفعل و تدرك ان تلك الحركة الايجاديّة لم‌تكن قديمة و لم‌تنفصل من الذاتِ بل انّما اُحْدِثَتْ بنفسِها فتكون جهةُ الصفةِ صفةَ الجهة و لا شي‌ء مما ذكر قديم فلاتُدْرِكُ الّا نظاۤئرَك في المخلوقيّة و هي الٰاثار و مع هذا فهي لا شَيْ‌ءَ الّا به فهو اظهرُ منها ايكون لغيرِكَ من الظهور ما ليس لكَ حتّي يكون هو المظهِرَ لكَ فهو اقرب اليكَ من نفسِكَ فاذا قلتَ يا زيدُ كنتَ قد خاطبت شخصاً وَ دعوته باسمه و هو غيره و اشرتَ اليه و الاشارة و جهتها غير ذاته لان ذاته ليست حيواناً نَاطقاً و اشارة و اسماً و دعاۤء بل هذه غيرهُ و هو غيرها مع انّك تخاطبُه و الخطاب و جهته غيره فافهم ما كرّرتُ و ردَّدْتُ قال الرضا (ع‌) كنهه تفريقٌ بينه و بين خلقه و غيره تحديد لما سوَاهُ . فانظر في زيد فانه حيوان ناطقٌ لا غير ذلك و لاتدركه بنفس الحيوانية و نفس النطق و انّما تدركه بمظاهره من الخطاب و النداۤء و الاشارة و غير ذلك و كلها غيره و مع هذا فلاتلتفت الي شي‌ءٍ منها و انّما يتعلّق قلبُكَ بذات زيدٍ و لكن تلك الاشياء التي قلنا انّها غيره هي جهة تعلّق قلبِك به و جهة ظهوره لكَ فاذا عرفتَ هذا عرفتَ مطلوبَك من عرف نفسه فقد عرفَ ربّه سنريهم آياتنا في الٰافاق و في انفسهم حتي يتبيّن لهم انّه الحقّ ، فاذا قلتَ ايّاكَ نعبد فانت تعبد اللّهَ و تقصده بعبادتك لا غير علي نحو ما قلنا لَكَ و هو قوله تعالي و للّه الاسماۤء الحسني فادعوه بها ، هذا اذا توجهتَ و امّا اذا غفلتَ و ذهلتَ فانه سبحانه لم‌يغفل و لم‌يذهل قال تعالي و ماكنا عن الخلق غافلين و ذلك اذا غفلت و ذهلْتَ فانّك حينئذٍ قد توجهتَ الي شي‌ء من احوال الدنيا او الٰاخرة و هي كلها بالحقيقة ليسَتْ شيئا الّا بظهوره فيها فاذا غفلتَ